الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد حصل من هذا إشعار من اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، بأن الاهتداء صنوف عديدة وله مراتب سامية ، وليس الاهتداء مقتصرا على حصول الإيمان مراتب وميادين لسبق همم النفوس لا يغفل عن تعهدها بالتثبيت والرعي والإثمار ، وذلك التعهد إعانة على تحصيل زيادة الإيمان . وتلك سرائر لا يعلم حقها وفروقها إلا اللّه تعالى . فعلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وهو خليفة اللّه في خلقه أن يتوخاها بقدر المستطاع ، فما أوحى اللّه إليه في شأنه اتبع ما يوحى إليه وما لم ينزل عليه وحي في شأنه فعليه أن يصرف اجتهاده كما أشار إليه قوله تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] . فكان ذلك موقع هذه الوصية المفرغة في قالب المعاتبة للتنبيه إلى الاكتراث بتتبع تلك المراتب وغرس الإرشاد فيها على ما يرجى من طيب تربتها ليخرج منها نبات نافع للخاص وللعامة . والحاصل أن اللّه تعالى أعلم رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن ذلك المشرك الذي محضه نصحه لا يرجى منه صلاح ، وأن ذلك المؤمن الذي استبقى العناية به إلى وقت آخر يزداد صلاحا تفيد المبادرة به ، لأنه في حالة تلهفه على التلقّي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أشد استعدادا منه في حين آخر . فهذه الحادثة منوال ينسج عليه الاجتهاد النبوي إذا لم يرد له الوحي ليعلم أن من وراء الظواهر خبايا ، وأن القرائن قد تستر الحقائق . وفي ما قررنا ما يعرف به أن مرجع هذه الآية وقضيتها إلى تصرف النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاجتهاد فيما لم يوح إليه فيه ، وأنه ما حاد عن رعاية أصول الاجتهاد قيد أنملة . وهي دليل لما تقرر في أصول الفقه من جواز الاجتهاد للنبي صلى اللّه عليه وسلم ووقوعه ، وأنه جرى على قاعدة إعمال أرجح المصلحتين بحسب الظاهر ، لأن السرائر موكولة إلى اللّه تعالى ، وأن اجتهاده صلى اللّه عليه وسلم لا يخطئ بحسب ما نصبه اللّه من الأدلة ، ولكنه قد يخالف ما في علم اللّه ، وأن اللّه لا يقر رسوله صلى اللّه عليه وسلم على ما فيه مخالفة لما أراده اللّه في نفس الأمر . ونظير هذه القضية قضية أسرى بدر التي حدثت بعد سنين من نزول هذه الآية والموقف فيهما متماثل . وفي قوله تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [ عبس : 3 ] إيماء إلى عذر النبي صلى اللّه عليه وسلم في